فخر الدين الرازي

175

تفسير الرازي

الشكوك خامسها : أن هذا تمثيل لظهور آيات الله وتبيين آثار قهره وسلطانه ، مثلت حاله في ذلك بحال الملك إذا حضر بنفسه ، فإنه يظهر بمجرد حضوره من آثار الهيبة والسياسة مالا يظهر بحضور عساكره كلها وسادسها : أن الرب هو المربي ، ولعل ملكاً هو أعظم الملائكة هو مربي للنبي صلى الله عليه وسلم جاء فكان هو المراد من قوله : * ( وجاء ربك ) * . أما قوله : * ( والملك صفاً صفاً ) * فالمعنى أنه تنزل ملائكة كل سماء فيصطفون صفاً بعد صف محدقين بالجن والإنس . الصفة الثالثة : من صفات ذلك اليوم قوله تعالى : * ( وجئ يومئذ بجهنم ) * ونظيره قوله تعالى : * ( وبرزت جهنم للغاوين ) * ( الشعراء : 91 ) قال جماعة من المفسرين : جيء بها يوم القيامة مزمومة بسبعين ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها حتى تنصب عن يسار العرش فتشرد شردة لو تركت لأحرقت أهل الجمع ، قال الأصوليون : ومعلوم أنها لا تنفك عن مكانها ، فالمراد * ( وبرزت ) * أي ظهرت حتى رآها الخلق ، وعلم الكافر أن مصيره إليها ، ثم قال : * ( يومئذ يتذكر الإنسان ) * واعلم أن تقدير الكلام : إذا دكت الأرض ، وحصل كذا وكذا فيومئذ يتذكر الإنسان ، وفي تذكره وجوه الأول : أنه يتذكر ما فرط فيه لأنه حين كان في الدنيا كانت همته تحصيل الدنيا ، ثم إنه في الآخرة يتذكر أن ذلك كان ضلالاً ، وكان الواجب عليه أن تكون همته تحصيل الآخرة الثاني : يتذكر أي يتعظ ، والمعنى أنه ما كان يتعظ في الدنيا فيصير في الآخرة متعظاً فيقول : * ( يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ) * ( الأنعام : 27 ) ، الثالث : يتذكر يتوب وهو مروي عن الحسن ، ثم قال تعالى : * ( وأنى له الذكرى ) * * ( وقد جاءهم رسول مبين ) * ( الدخان : 13 ) : واعلم أن بين قوله : * ( يتذكر ) * وبين قوله : * ( وأنى له الذكرى ) * تناقضاً فلا بد من إضمار المضاف والمعنى ومن أين له منفعة الذكرى . ويتفرع على هذه الآية مسألة أصولية ، وهي أن قبول التوبة عندنا غير واجب على الله عقلاً ، وقالت المعتزلة : هو واجب . فنقول : الدليل على قولنا أن الآية دلت ههنا على أن الإنسان يعلم في الآخرة أن الذي يعمله في الدنيا لم يكن أصلح له وإن الذي تركه كان أصلح له ، ومهما عرف ذلك لا بد وأن يندم عليه ، وإذا حصل الندم فقد حصلت التوبة ، ثم إنه تعالى نفى كون تلك التوبة نافعة بقوله : * ( وأنى له الذكرى ) * فعلمنا أن التوبة لا يجب عقلاً قبولها ، فإن قيل القوم : إنما ندموا على أفعالهم لا لوجه قبحها بل لترتب العقاب عليها ، فلا جرم ما كانت التوبة صحيحة ؟ قلنا : القوم لما علموا أن الندم على القبيح لا بد وأن يكون لوجه قبحه حتى يكون نافعاً وجب أن يكون ندمهم واقعاً على هذا الوجه ، فحينئذ يكونون آتين بالتوبة الصحيحة مع عدم القبول فصح قولنا . * ( يَقُولُ يا لَيْتَنِى قَدَّمْتُ لِحَيَاتِى ) * . ثم شرح تعالى ما يقوله هذا الإنسان فقال تعالى : * ( يقول يا ليتني قدمت لحياتي ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : للآية تأويلات :